ابن حزم

389

رسائل ابن حزم الأندلسي

تختص ( 1 ) به والذي أعجبت بنفاذك فيه ، أكثر مما تعلم من ذلك ، فاجعل مكان العجب استنقاصاً لنفسك واستقصاراً لها ، فهو أولى . وتفكر فيمن كان أعلم منك تجدهم كثيراً ، فلتهن نفسك عندك حينئذ . وتفكر في إخلالك بعلمك ، فإنك لا تعمل بما علمت منه فعلمك عليك حجة حينئذ ، لقد كان أسلم لك لو لم تكن عالماً . واعلم أن الجاهل حينئذ أعقل منك وأحسن حالاً وأعذر ، فليسقط عجبك بالكلية . ثم لعل علمك الذي تعجب بنفاذك فيه من العلوم المتأخرة التي لا كبير خصلة فيها كالشعر وما جرى مجراه ، فانظر حينئذ إلى من علمه أجل من علمك في مراتب الدنيا والآخرة ، فتهون نفسك عليك . ( ه - ) وان أعجبت بشجاعتك فتفكر فيمن هو أشجع منك ثم انظر في تلك النجدة التي منحك الله تعالى فيما صرفتها ، فان كنت صرفتها في معصية فأنت أحمق ، لأنك بذلت نفسك فيما ليس بثمن لها . وان كنت صرفتها في طاعة فقد أفسدتها بعجبك ، ثم تفكر في زوالها عنك بالشيخ ، وانك إن عشت فستصير في عدد العيال وكالصبي ضعفاً . على أني ما رأيت العجب في طائفة أقل منه في أهل الشجاعة ، فاستدللت بذلك على نزاهة أنفسهم ورفعتها وعلوها . ( و ) وإن أعجبت بجاهك في دنياك فتفكر في مخالفيك واندادك ونظائرك ( 2 ) ولعلهم أخساء وضعاء ( 3 ) سقاط . فاعلم أنهم أمثالك فيما أنت فيه ولعلهم ممن يستحيي من التشبه بهم لفرط رذالتهم وخساستهم في أنفسهم وفي أخلاقهم ومنابتهم ، فاستهن بكل منزلة شارك فيها من ذكرت لك .

--> ( 1 ) م : من أنواع العلم ثم من أصناف علمك الذي تختص الخ . ( 2 ) د : ونظرائك ( وهي أصوب ) . ( 3 ) ص : وضعفاء ، وهذه قراءة م .